عبد الملك الجويني
84
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
ذو تحقيق إلا أفحمته » ، فلا يتوهم عاقل دخول هذا المخبر عن نفسه تحت موجب كلامه ، حتى يقدر كونه مفحما نفسه . ولا تندرئ قواطع النصوص بالروغان والحيل . ونستدل بكل آية في كتاب اللّه دالة على تمدح الباري تعالى بكونه قادرا على كل شيء ، ولا معنى لذلك عند المعتزلة ، فإن المعنى بقوله تعالى : وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ سورة البقرة : 284 ] ، أنه قادر على أفعال نفسه وليس بمقتدر على أفعال غيره . وإذا كان الأمر كذلك ، فالعبد أيضا قادر على كل شيء على هذا التأويل ، ويبطل تمدح الباري تعالى عند التحصيل . ومما يستدل به أيضا قوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [ سورة الصافات : 96 ] . وسنعقد فصلا في معنى الهدى والضلال ، والختم والطبع وشرح الصدور ونعتصم فيه بالقواطع من نصوص الكتاب وفحوى الخطاب . وقد حان أن نذكر عصم المعتزلة وشبههم وهي تنقسم عندهم إلى مدارك العقول ومآخذ السمع . فمما تمسكوا به في مدارك العقول ، أن قالوا : العاقل يميز بين مقدوره ، وبين ما ليس بمقدوره ؛ ويدرك تفرقة بين حركاته الإرادية ، وألوانه التي لا اقتدار له عليها . ووجه الفصل بين القبيلين أنه يصادف مقدوره واقعا به على حسب قصوده ودواعيه ، ولا يقع منه ما لا يقع على حسب انكفافه وانصرافه . فإذا صادف الشيء واقعا على حسب المقصود والداعية ، لم يسترب في وقوعه به ، ثم لا يقع به إلا الحدوث ، فليكن العبد محدثا لفعله . ولو كان فعله غير واقع به ، لكان بمثابة لونه وسائر صفاته الخارجة عن مقدوراته . قلنا : هذا الذي عولتم عليه ، دعاوى غير مقرونة بأدلة . فأما قولكم : إن المقدور يقع على حسب الداعية والقصد ، فباطل من أوجه ، منها : أن ذلك لا يعم الأحوال ولا يشمل الأفعال ، بل الأمر على الانقسام ؛ فرب فعل يقع على حسب القصد ، وربما لا يقع على حسبه ، فإن أفعال العاقل الذاهل غير واقعة على حسب قصده ودواعيه ، وكذلك كل ما يصدر من النائم والمغمى عليه من الأفعال . فإذا لم يطرد ما قالوه في جميع الأفعال ، فوقوع بعضها على حسب الداعية لا يدل على كونه واقعا بالعبد من فعله . فإنه قد يقع الشبع عند الأكل ، والري عند الشرب ، واكتساب الثوب ألوانا مقصودة عند الصبغ ، وفهم المخاطب عند الإفهام ، وخجله ووجله عند التخجيل والتهويل ؛ فهذه الأفعال ، مع وقوعها على حسب المقصود ، ليست أفعالا لذي الدواعي والقصود . ثم نقول : من اعتقد أن لا خالق إلا اللّه فلا تدعوه داعية إلى الخلق ، ولا يصح مع هذا الاعتقاد منه القصد إلى الإحداث . وأفعال معظم الخليقة غير واقعة على حسب القصد ، فإن المقصود الواقع بالعبد عند الخصوم الحدوث . فإذا وضح أنه غير مقصود من الذين ذكرناهم ، بطل استرواحهم إلى الدواعي ، وفسد ما عولوا عليه من الدعاوى . ثم نقول : لا يبعد عندكم أن يخلق الباري تعالى في العبد أكوانا ضرورية ، ويخلق فيه الدواعي ضرورية إليها على الاطراد ، ولو كان الأمر كذلك لكانت الأكوان واقعة على حسب الدواعي . ثم لا